ابن عربي
83
كتاب الحجب
الإنكار وليس بإنكار حتى أنه لو كان هذا القول من غير اللّه لأمر القائل بالسكوت وزجره عن ذلك وإنما الرجل أظهر التعجب من قول اللّه في حق المتقين الذين هم جلساء اللّه كيف يحشرون إليه فكأنه إبراهيمي المشهد في طلب الكيفية في إحياء الموتى فأراد أبو يزيد ما أراده إبراهيم في كيفية إحياء الموتى لاختلاف الوجوه في ذلك لا إنكار إحياء الموتى فدل هذا الكلام من أبي يزيد على حاله في ذلك الوقت فهذا مثل قول إبراهيم : يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ « 1 » الرحمة تناقض العذاب إلا على الوجه الذي قررناه في المنزل الذي قبل هذا المنزل وهو منزل فتح الأبواب كذلك أبو يزيد لو علم أن المتقي ما هو جليس الرحمن وإنما هو جليس الجبار المريد العظيم المتكبر فيحشر المتقي إلى الرحمن ليكون جليسه فيزول عنه الاتقاء فإن الرحمن لا يتقى بل هو محل موضع الطمع والإدلال والأنس لكنهم رضي اللّه عنهم صادقون لا يتعدون ذوقهم في كل حال بخلاف العامة من أهل اللّه فإنهم يتكلمون بأحوال غيرهم والخاصة لا سبيل لهم إلى ذلك وإن اتفق أن يتكلم أحد منهم في حال نبي أو ولي هو فوقه فيبين أنه مترجم عن حال غيره حتى يعرف السامع عمن يقول هذه حالهم رضي اللّه عنهم ولا يقع منهم مثل هذا إلا في النادر لضرورة تدعو إليه فإن لهم الكشف الخبري عن مقامات من هو فوقهم وما لهم الكشف الذوقي إلا فيما هو مقامهم وحالهم . فلولا هذه الحجب التي أسدلها اللّه بين الأكوان وبينه ما تميزت المراتب واختلطت الحقائق وهذا سبب وضع الحدود في الأشياء . وقد لعن اللّه من غير منار الأرض .
--> ( 1 ) الآية رقم ( 45 ) من سورة مريم